|
الحُكام يحفظون القانون لكنهم ليسوا أحراراً في تطبيقه بسبب "لُقمة العيش"، من يُخرج القافلة الكروية عن مسارها: الحُكام، المدربون أم اللاعبون؟ في عالم كرة القدم من السهل على المدربين واللاعبين والجماهير أن يعلقون الهزيمة على تلك الوسادة الوثيرة، ومع مرور الأيام يبقى التعليق والتحليل واحداً، حُكام الكرة في العالم في الميزان، وخلف القضبان، وهم المتهمون عن ضياع الكؤوس وفرار البطولات وشُح النقاط والهبوط إلى الدرجات الدُنيا.
إنها مقولة قديمة، متجددة، تُساير العصر، حِكمة يحفظها المدربون عن ظهر قلب، ويعتنقها لاعبو كرة القدم، وتجد فيها بعض الجماهير الحزينة سلواها، والنتيجة أن البحث عن الحكم المثالي سيظل مثل الجري وراء سراب، طالما بقيت "شماعة الحكم" هي المأوى والملاذ لجميع عناصر اللعبة لتُبرر هزائمها وتُبرر أخطائها!.
وبعيداً عن أخطاء الحُكام غير المتعمدة التي تضعهم في مشاكل جمة، أخرج الحكم الألماني "روبيرت هويزر" البالغ من العمر 25عاماً حُكام العالم عن طور المثالية، بعد أن ثبت اتهامه بالتلاعب في نتيجة مباراة بين نادي "بادربورن" و"هامبورج" في الدوري الألماني في 21 أغسطس 2004، وهي المباراة التي أحدثت ضجة كبيرة لا تزال تدور رحاها في الأوساط الكروية في ألمانيا في وقت يثير فيه التحكيم الجدل في الكثير من دول العالم. وعلى خلفية ما يحدث للتحكيم والحُكام، طرأت فكرة مُرعبة قبل عدة سنوات، ففي بريطانيا حاول الإنجليز على ما يبدو تكبيل أيدي الحكام أكثر وأكثر، ووضعهم تحت ضغوط أكبر، ربما لتوسيع الشماعة أو لوضعها في مكان يسهل أكثر الوصول إليها!. ولم تتمحور هذه الفكرة حول وضع الحكام تحت رقابة حُكام سابقين فحسب، وإنما تشديد الرقابة عليهم من قبل لجنة جديدة مؤلفة من لاعبين ومدربين سابقين، كل ذلك إلى جانب الأضواء المُسلطة على الحكام من قبل الجماهير وكاميرات التلفزيون، الانضباط أولوية رئيسية اللاعبون والمدربون والحكام، ونضف إليهم حديثا رؤساء الأندية، من يفقد السيطرة، ومن يُخرج الأمور عن نصابها، اللاعبون والمدربون يقولون أن الحكام هم الذين يُخرجون القافلة الكروية عن مسارها، وهم الذين يفتعلون المشاكل، المباراة – أي مباراة – لا بد وأن تنتهي إلى نتيجة تهم طرف من أطراف المباراة، وفي أغلب الأحيان لا تعني هذه النتيجة حكم المباراة في شئ. لكن المنطق يقول أن اللاعبين والمدربين هم الذين يعتريهم الغضب ويفقدون صوابهم، المدربون يتعايشون مع لاعبيهم يوما بعد يوم، وهم الذين يُفترض وضعهم تحت سيطرتهم المباشرة وبالتالي فهم الذين فشلوا في جعل الانضباط داخل الملعب أولوية رئيسية، وبالتالي فإن إنحاء اللائمة على الحكم لعدم انضباط اللاعبين هو المخرج السهل لمشاكل صنعها المدربون بأيديهم. معيار واحد والسؤال: كم من المدربين نهروا لاعبيهم بسبب العنف الواضح ضد الخصوم، أو بسبب أدائهم الخشن والمستفز غير المبرر؟، إن هؤلاء – اللاعبين والمدربين - ظلوا يحكمون على أداء الحُكام بمعيار واحد ووحيد وهو أنه إذا كانت قرارات الحكم في صالحهم فإنه يحصل على درجات مرتفعة ويتجلى ذلك بوضوح من خلال تصريحات المدربين في أعقاب المباريات أسبوع بعد الآخر. ورغم هذا التحيز الواضح إلا أن فكرة تشكيل لجنة رسمية – مثل التي اقترحها الإنجليز - لتحديد ما إذا كان الحكم جيد أو سيئ تحمل بين طياتها مضامين غريبة وربما مُخيفة. الحكام يتساهلون بالفعل كثيراً مع اللاعبين لدرجة تغاضيهم أحياناً عن ألعاب تنطوي على عُنف واضح والمثال على هذا التساهل ذلك المشهد المتكرر في معظم مباريات كرة القدم، حيث يُشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه لاعب ارتكب مخالفة، ثم يأتي نفس اللاعب ويرتكب مخالفة شبيهة أو حتى أعنف ثم يتوجه إليه الحكم مكتفياً بالتحدث معه عوضا عن إشهار البطاقة الحمراء كما ينص عليه القانون. "لقمة العيش" الحُكام يعرفون قانون كرة القدم، هذا القانون الذي يُشكل المرجع الرئيسي بالنسبة لهم، لكنهم ليسوا أحراراً في وضعه موضع التنفيذ، فمن أجل "لقمة العيش"، يبدو وكأن الحكام مطالبون ضمناً بالتحكيم على النحو الذي يرتضيه القائمون على كرة القدم. وإذا ما افترضنا جدلاً أنهم سيطبقون القانون بحذافيره، فإنهم قد يضطرون إلى طرد مجموعة من اللاعبين من فريق واحد في مباراة واحدة وساعتها سيُتهم الحُكام بالتشدد والصرامة وسيتحول الحديث إلى نغمة وعناوين مثل: "لن نستطيع اللعب بهذه الطريقة"، و"تدمير اللعبة" و"توقفات كثيرة في المباراة"، إن المهمة الأكبر تكمن في ضمان جعل القوانين تعني ما تقوله وأنه يتعين تنفيذ هذه القوانين على نحو مستمر وبعدالة كاملة. وفي النهاية نقول، أن الجميع يعرف أن الحكم المثالي لم يأتي بعد، وعلينا إذن أن لا نتطلع إلى ما هو أكثر من الاقتراب من المثالية، وفي سبيلنا لذلك يتعين أن نعترف أنه لا يمكن للحكم - لا من الناحية البدنية ولا النفسية - أن يُركز على عمل غاية في الصعوبة. ونطلب منه في نفس الوقت أن يرى من خلفه أو من تحت أيديه ومن بين أقدامه، البحث عن الحكم المثالي لن ينتهي، هذه حقيقة وأمر صعب، لكن الأصعب أن يتخلى الآخرون عن الشماعة أو الوسادة الوثيرة!.
|